مدونة عبدالرحمن الكنهل

Search

نُشرت بتاريخ 21 سبتمبر 2009

 

عندما كنتُ في المدرسة الابتدائية، كان عمري آنذاك 11 سنة تقclip_image001ريبًا تجمَّعْنَا في المدرسة بعد الظهر وذهبنا برفقة فريق المدرسة لكرة القدم لمساندته في مباراته مع مدرسة أخرى، المباراة كانت ستقام في دار رعاية الصم والبكم.

بمشاعر الطفل الصغير كنت فرحًا بل فخورًا إي والله فخور أن هؤلاء الصم البكم في دارهم ملعب تقام فيه المباريات. بمشاعر الطفل شعرت أنه انتصار لهم. كنت أفاخر بذلك أمام زملائي. “الصم البكم لديهم ملعب كبير”. لم أكن أدري أن الملعب عبارة عن مساحة واسعة يثور فيها الغبار.

أذكر أني كنتُ غير مهتم بالمباراة. فقط يتردد في أذني “أطفال صم بكم”. كنت أود أن أشاهد هؤلاء الأطفال. أن أقترب من هذا العالم.

عندما دخلنا من البوابة الرئيسية الخارجية. كانت الساحة الواسعة أمامنا بما فيها الملعب. وعلى الشِّمَال منا المبنى. وفي وسطه البوابة الداخلية. كان بعض الأطفال من سكان الدار قد بدأوا بالتجمع أمام تلك البوابة، ولا زال بعضهم يتدافعون للخروج والتجمع مع الآخرين لمشاهدة هؤلاء الغرباء الذين دخلوا دارهم. توقفت أشاهدهم، للوهلة الأولى بدت لي مناظرهم غريبة خصوصًا ببيجاماتهم. أخذتُ أتأملهم كثيرًا. إذن هؤلاء هم الأطفال الذين لا يسمعون مثلنا ولا يتكلمون مثلنا. ولا يقيمون مع أسرهم مثلنا. يسكنون ويتعلمون هنا. في هذا المبنى القديم المتهالك.

خلال هذا المشهد ومشاعر لا تنسى. خرج من نفس البوابة شخص من جنسية عربية. ضخم البنية أجش الصوت لا زلت أتذكره جيدًا كأنه أمامي الآن. وبدأ في صفع هؤلاء الأطفال. عندها دار في رأسي سريعًا مفارقة عجيبة. عندما كنا في المدرسة نتعرض للضرب العشوائي بنفس الطريقة أو لنمنع من تجمع مثلًا في مكان ما. كنا نسمع صوت المعلم. أو أصوات تراكض الآخرين فنهرب. أما هؤلاء فالأمر مختلف. بعضهم لا يتنبه إلا وصفعة على رقبته أو على رأسه. يبدو أن هذا المعلم أو المشرف أو الخادم لا أدري ما صفته بالضبط لا يملك وسيلة للتخاطب مع هؤلاء الأطفال سوى الضرب والصفع!!

أما المنظر الذي بقي عالقًا في ذهني تمامًا

أن أحد هؤلاء الأطفال في المقدمة. أتذكر جيدًا أنه أصغر مني سنًّا. بل قد يكون أصغرهم سنًّا. لم يتنبه لما يدور حوله. كنت أنظر إليه وهو واقف ببيجامته مفتوحة الأزرار وتحتها فانيلة داخلية بيضاء ينظر بدهشة وفضول لهؤلاء الزوار. بدا وجهه ومنظره ملفتًا بالنسبة لي لا أدري لماذا!…الشيء الذي أفهمه الآن أن وجهه يمتلئ طفولة وبراءة. خلا المكان من زملائه. لم يسمع الصوت الأجش. ولا أصوات الصفعات. ولا تراكض باقي الأطفال. تنبه له صاحب الصوت الأجش فاتجه إليه وابتسامة انتصار تعلو وجهه العريض. فثمة غنيمة لاهية بانتظار الضرب. وفاجأه بضربه على رقبته. كان منظره مؤثرًا وهو يركض متعثرًا واضعًا يديه الصغيرتين بخوف وهلع أمام وجهه.

هذا المنظر بالذات لم يكن مجرد منظر مؤثرٍ فحسب. بل سبب لي ما يشبه الصدمة في تلك السنوات المبكرة من طفولتي.

صورة هذا الطفل وصورة الرجل الذي يعمل في الدار وصوته الأجش تضاف لها صورة الزميل الوحيد الذي أتذكر وجهه جيدًا لأنه كان يقف بجانبي مباشرة ويردد بتأثر “حرام مساكين” أذكر أن وجهه هو الشيء الذي هربت إليه علامات التأثر في وجهه التصقت بذاكرتي كجزء من المشهد عدا ذلك لا أتذكر باقي الزملاء ولا المعلم المرافق ولا أي شيء عن المباراة.

فقط صورة أطفال صم بكم يُضرَبون، وصورة هذا الطفل بالذات الذي أتمنى لو ألتقيه اليوم وقد كبرنا.

أنا أيضًا كنت طفلًا وكنا نتعرض للضرب في المدرسة.

ولكن بسبب تصوري بأن هؤلاء يحظون برحمة وشفقة أكثر بسبب ظروفهم.

ولا أدري كيف ولماذا هذا المنظر برمته بدا لي مؤثرًا ومحزنًا بهذا الشكل!!

شعرتُ بالصدمة…

شعرتُ في هذه السن المبكرة بمعنى القسوة، وانعدام الرحمة…

لازمني هذا المنظر بكل ما يحمله من اختلاجات نفسية وأفكار في تلك السنوات، وما تلاها من سنوات حتى هذا اليوم.

أردد أحيانًا أن الألم هو الذي يشكل وعيي ومواقفي في الحياة.

فكان هذا المنظر بكل ما تعنيه الكلمة أول تشكيل لهذا الوعي إن جاز التعبير، بل كان أثره هائلًا على نفسي وعلى طريقة تفكيري ونظرتي للأمور فيما بعد؛ فقد أحاطت بي الأسئلة، لماذا لا يحظى هؤلاء بمعاملة أفضل؟! كان أول انتقاد وموقف ضد الآخرين موقف غارق في البراءة والألم الإنساني الطفولي..

هذه الحكاية جزء من حكاية الإنسان التي بدأت تنمو وتكبر في داخلي أكثر، وتثور أكثر مع كل موقف وحدث ضَحِيَّتُهُ الإنسان، مع كل مرة أكتشف وأتعلم أن ثمة أشكالا وصورًا مختلفة لظلم الإنسان أو ممارسة القسوة ضده أو مصادرة حقوقه أو هدر كرامته.

ففي هذه الحياة يمتد شريط، يعرض بعضًا من ذكريات من كتاب أو حكاية أو موقف، كلها ترتبط بالإنسان، آلامه، أحزانه، الظلم الذي يقع عليه…

كل هذه الأشياء تسبب لنا الألم

ولكن!!!

هل نجعل هذا الألم الإنساني يهوي بسياطه على ظهورنا فننكفئ له؟! هل يكفي الألم أن نقدم له دموعنا؟! أن نعبر عن عدم رضانا؟! ثم بعد ذلك نستسلم لهذا الألم؟!

أم نجعل من هذا الألم الإنساني دافعًا يسهم في تشكيل وعينا وثقافتنا؟

نطرح الأسئلة غير الاعتيادية لماذا؟ وكيف؟

كيف يغيب الشعور الإنساني الذي ندفع به الظلم عن الآخرين.

كيف غاب في مجتمعنا؟ أو مَنْ غَيَّبَ حس المسؤولية الجماعية؟

المحزن لا زالت مثل هذه الدور لرعاية الصم والبكم أو دور الرعاية الاجتماعية والمصحات النفسية تشكل عالمًا من القسوة والتعامل غير الإنساني.

وشيخ المدونين السعوديين فؤاد الفرحان له موضوع جميل ومعبر بعنوان

“تعرفوا على أخي وقرة عيني طارق الفرحان الفتى الذي سيدخل الجنة بغير حساب”

تحدث فيه عن سوء معاملة يتعرض له الطلاب المقيمون في مدرسة التربية الفكرية بجدة.

Send this to a friend