مدونة عبدالرحمن الكنهل

Search

نُشرت بتاريخ 27 يوليو,2012

 

قطاع كبير من السعوديين لديهم نقص شديد في ثقافة حقوق الإنسان، هذه حقيقة من وجهة نظري.

تديُّن البعض منا، يركز على بعض العبادات والمظاهر، وتخبو القيم والأخلاق، حقيقة أخرى من وجهة نظري.

يؤكد ذلك طريقةُ التعامل مع عاملات المنازل، لدى بعضِ أو كثير من الأسر، حيث يغيب لدى العديد من أفراد الأسرة السعودية أبسطُ قيم ومبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق الدولية حتى للسجناء.

فالعاملة أشبه ما تكون بالسجينة ولكن بلا حقوق، فلا تحتفظ بجواز سفرها، ولا يُسمَح لها بالخروج فهي مسلوبة الإرادة، وإذا غادرت المنزل تاركة العمل فيه اعتُبِرَت (هاربة)، فهي تَحضُر هنا عاملة منزل، وتُعَامَل معاملة العبيد وكأننا خارج منظومة عالمٍ بات أكثر تحضرًا.

تعمل 7 أيام في الأسبوع، بدون إجازة أسبوعية، ولا يحق لها أن تطلب العذر عن العمل يومًا أو يومين للراحة؛ فهذه لدى البعض جريمة لا تُغتَفَر وتمرُّد من العاملة، وليت بعضَ النساء السعوديات العاملات وكذلك الرجال يتذكرون أنهم يعملون ساعات محددة في 5 أو 6 أيام في الأسبوع، عدا الإجازات المتنوعة، ومنها ما يلجأ إليه البعض للحصول على إجازات مرضية زائفة، تذكَّرُوا فقط أن عاملة المنزل بشر مثلكم، تحتاج لحظات راحة وترفيه وخلافه، رغم أن ساعات عملها أطول، وكله جهد جسدي.

عاملةُ المنزل محرومة في كثير من منازل الأسر السعودية من حق استخدام وسائل الإعلام، بل أعلم أن بعض الأسر تعاملها وكأنها ارتكبت فِعلًا لا يُغتَفَر لو توقفت لحظات أمام التلفاز بسبب مشهدٍ ما شدَّهَا.

ومن الأمور التي تُقدِّم مؤشرًا سيئًا لمستوى غياب ثقافة حقوق الإنسان في التعامل مع عاملات المنازل، حرمانُها من حق حرية استخدام وسائل الاتصال، ولو علموا أن لديها هاتفًا جوالًا فكأن مصيبةً حدثت.

ويعطي كثيرٌ من الأسر لأنفسهم الحقَّ في حرمانها من مرتباتها لعدة شهور، قد تكون شهرين أو ثلاثة أو أكثر، في غياب للضمير، ومخالَفَة لشرع الله في إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقُه، ومخالفة للعقد المبرم، بعضُهم يتمظهر بمظاهر الدين والتدين، فإذا جاء الأمر عند حقوق عاملة منزلٍ غاب الدينُ والتدين.

بعضُ عاملات المنازل تعمل في بيوت مساحتها كبيرة، وعدد أفرادها كبير، والجميع لا يفعل شيئًا، فهي وحدها مَنْ يعمل ليلَ نهار، حتى بعض الأسر يطلب منها كأس الماء كلما شعر أحدهم بالعطش، ثم الويل والثبور لها لو مَلَّتْ أو تَعِبَتْ أو حاولت التذمر.

عاملة المنزل إنسان له حقوق، ولديها كرامة، البعض قد لا يتوانى عن رفع الصوت، وتوجيه عبارات السباب والشتائم، وقد يصل أحيانًا للضرب، وكل هذا في ظل غياب أنظمةٍ وقوانينَ ومؤسساتٍ لحماية الخادمات كما هو موجود في بعض الدول مثل اليابان وسنغافورة وغيرهما من دول العالم المتحضر.

قد يُطلَب منها حَمْل أشياءَ ثقيلةً، وقد تتعرض خلال عملها لإصابات خطيرة (إصابات عمل) أو وفاة، ويُكتَفَى بإعادتها إلى بلادها، أو إرسال جثمانها بدون تعويضات.

عاملةُ المنزل غالبًا ما تدفع ثمنًا للتأشيرة لمكاتب تصدير العمالة في بلدها، ولكنْ عندما تصل يصيب بعضهَن ما يصيب بعض الأشخاص من عدم قدرة على تحمُّل الغربة (مرض الغربة)؛ فتنتابها أعراض ذلك من ضيق شديد في النَّفَس، وكآبة، وعزوف عن العمل، ورغبة في العودة إلى وطنها. وقد تتعرض بسبب ذلك لتَعَامُل قاسٍ أو ضغط عليها لمواصلة البقاء والعمل، أو تعمُّد تأخيرها لحين وصول خادمة أخرى وكأنهم ملكوها ومَلَكُوا إرادتَها وحقَّها في ترك العمل والمغادرة، فَمِنْ غياب الضمير ومخافة الله لدى كثير من الناس في مجتمعنا، وليتنا في هذا الصدد نتذكر بعض الأقارب والمعارف ممن عانوا في بعثاتهم -وبعضُهم برفقته أسرته- رغم اختلاف الظروف والحال عن ظروفِ وحالِ عاملة منزل.

هي إنسان، لها ذاكرةٌ وقلبٌ ومشاعرُ، تنتابها لحظات تتذكر فيها أسرتَها وأطفالَها وزوجها، ووالدها ووالدتها، الصغير فيهم الذي يحتاج رعايتها، والمُسِنُّ المريضُ، فتتأثر بذلك، وينعكس على نفسيتها، أو على تركيزها، ويؤثِّر على حُسْن أدائها لعملها، والبعضُ منا لا يملك سوى اللوم والتقريع متناسيًا أنها بشر.

يسأل البعض: وماذا عنا نحن الأسر السعودية؟ ماذا عن حقوقنا عندما ((تهرب))؟

أولًا هي ليست تهرب، هي تمارس حقَّها في ترك العمل، العقدُ ينص على ضمان التعويض من المكتب خلال 3 شهور. شرعًا وفي كافة الأنظمة والقوانين ليس لصاحب عمل إجبارُ أحد على العمل، بل هذا ظلم وجَوْر وتعدٍّ على حقوق البشر، وإذ أغنانا الله بالنفط لا يعني استعباد البشر، ولْنتذكرْ أن للظلم جولة.

وأذكُرُ عندما سألني أحدُهم: ماذا لو أعطيتُها راتبها ثم تَرَكت العمل فجأة إليس هذا ظلمًا لي؟ أجبتُهُ: أن أتعرض لظلم مثل هذا من عاملة منزل وأنا في خير وعافية، خيرٌ لي ألف مرة أن أرتكبه في حق امرأة فقيرة تغرَّبتْ طلبًا للرزق، وتكون خصيمي يوم القيامة.

نعم توجد مشاكل عديدة تتعلق بالعمالة المنزلية تعاني منها الأسر السعودية، ولكنَّ العاملةَ ليست مَن يتحمل المسؤولية وحدها، نحن أيضًا نتحمل جزءًا من ذلك، والجزء الذي يعتقد بعضُنا أنه تتحمله العاملة وحدها، لا يعني جوازَ ظلمِها أو التعدّي على أي حق من حقوقها.

ليتنا نتذكر أنه قبل عقود قليلة من الزمن كان الآباء والأجداد يجوبون العالم حولنا طلباً للرزق، عَمِلُوا أُجَرَاءَ في حقول الزراعة وقوافل التجارة، وفي الغوص في بعض دول الخليج، وما تغيَّر حالُنا إلا بنعمة النفط، فلا يصيب بعضَنا الغرورُ والتمادي في التعالي على العمالة الأجنبية عمومًا، وعاملات المنازل خصوصًا.

guest

0 Comments
Newest
Oldest
Inline Feedbacks
View all comments
Send this to a friend