مدونة عبدالرحمن الكنهل

Search
نُشرت بتاريخ 17 فبراير,2013 

منذ فترة كنت أود التدوين عن واقع الرعاية الصحية في السعودية الذي يسير نحو مزيد من الانحدار على كافة الأصعدة، ولكنني كلما هممت بذلك وجدتُنِي أتنفس بغضب وشعور بالقهر وحيرة، من أين أبدأ الحديث؟ فكلُّ شيء وأيُّ شيء في واقع الرعاية الصحية بالسعودية يسير بخطى ثابته نحو الأسوأ ومزيد من الانحطاط.

تكررت حوادث تبديل المواليد، ومختلف أشكال وأنواع الأخطاء الطبية: من نسيان مواد داخل أجسام المرضى، وآخِرُها حكاية الطفلة ريهام التي نُقِلَ لها دمٌ ملوث بفيروس HIV (الإيدز)، والسبب ليس أخطاءً فردية كما تدَّعِي وزارة الصحة -لا سيما في بيانها بخصوص الطفلة ريهام- فالأخطاء الفردية يفترض أنها نادرة الحدوث بالذات في المجال الصحي بسبب أن كافة الأعمال والمهام في كل قسم من أقسام كل منشأة صحية يجب أن تخضع لمجموعة من المعايير التي يجب أن تُطبَّق بصرامة، وتخضع لرقابة واختبارات حتى لا يتكرر حدوث ما يسمونه أخطاء فردية.

الواقع في وزارة الصحة وبسبب تكرار الأخطاء وتفاقم الوضع أنها تؤكد للمواطن أنها نتاج طبيعي وحتمي للفساد الذي دمر البلاد والعباد، وأغرق أجزاءً من جدة وتبوك، وأحياءً من الرياض، فتفشِّي الإهمال واللامبالاة في منشآت وزارة الصحة هو نتيجة لتغييب المعايير والرقابة عليها، وهذا كله بسبب الفساد ولا شيء غير الفساد.

وأول مؤشرات الفساد هو مشاريع وزارة الصحة المتعثرة، ومبانيها المتهالكة التي تشبه بعض مستشفيات الدول **** الفقيرة، وتدنِّي مستويات النظافة، فيشتد مرضُ المريض بسبب سوء المنشآت وتدنِّي مستوى الخدمات، ويرافق هذا كله نفسيات مرهقة للأطباء والعاملين الصحيين بكافة مستوياتهم، بما ينعكس على أدائهم وتعاملهم مع المرضى.

يحكي لي زميل كيف أن والدته عانت الأمَرَّيْن في أحد مستشفيات الوزارة بسبب أنه يقيم معها في نفس الغرفة مريضةٌ شرق آسيوية مجهولة الهُوِيَّة ومصابة بمرض نفسي تتجول أحيانًا وسط الغرفة وخارجها وهي عارية تمامًا فيعاملنها الممرضات بقسوة حتى تَدَخَّل زميلي بإبلاغ سفارة بلادها والتي تدخَّلَتْ لمعالجة وضعها، بينما وزارة الصحة تكتفي بمعاملتها بشكل سيئ، مع استمرار مضايقتها لمُسِنَّة في نفس غرفتها.

جاء في نص بيان الوزارة بخصوص الطفلة ريهام: “إغلاق التبرع ببنك الدم بمستشفى جازان العام على أن يقوم بنكُ الدم بمستشفى الملك فهد بجازان بتأمين احتياج مستشفى جازان العام من وحدات الدم ومشتقاته لحين تصحيح الوضع وتقييمه من لجنة مختصة”.

أين الحل؟ صبه أحقنه وسعيد أخو مبارك، يا معالي الوزير ما حدث في مستشفى جازان العام هو نتيجة فساد غَيَّب وأهمل المعايير ومراقبة تطبيقها، والمحاسبة المبكرة قبل استمرار العبث بأرواح وسلامة البشر، وما حدث بهذا المستشفى مرشح -وبشكل كبير جدًّا- حدوثُهُ في أي مستشفى آخر سواء تابع للوزارة أو القطاع الخاص الذي أخلاقياتُ بعض القائمين عليه لا تختلف عن أخلاقيات جزار يبيع لحوم حمير ميتة للمواطنين.

إن المسؤول الحكومي الأول عن الخطأ الطبي، وكل الأخطاء بما في ذلك تبديل المواليد، وتدمير حياة الطفلة ريهام هو أنت يا وزير الصحة، لذا لا تسخر منَّا بمحاسبة أحد غيرك، حاسِبْ نفسَك، وقدِّم استقالتك، أنت طبيب ناجح، ولكنك لست بالضرورة وزيرًا ناجحًا، حتى القصور في الإنفاق على الرعاية الصحية تتحمل أنت جزءًا كبيرًا من وِزْرِهِ ومسؤوليته ما دمتَ باقيًا في منصبك.

أنت غادرت منصب المدير العام التنفيذي للشؤون الصحية بالحرس الوطني والمرضى يئنُّون لفترات طويلة في أقسام الطوارئ بلا تدخُّل لمساعدتهم، وبعض المرضى لا يجدون سوى الممرات.

معالي وزير الصحة، أنت لا تفعل شيئًا سوى مواصلة إخفاقاتك في الشؤون الصحية في الحرس الوطني، وإخفاقات كل مَنْ سبقوك من وزراء الصحة، ومواصلة تحقيق أحد نتائج الإهمال المتواصل للرعاية الصحية، وتمثيل جزء من تدهور الحال إلى حال أسوأ لا يعلم إلا الله الى أين يصل مداه.

أنت ناجح كطبيب فَعُدْ لمهنتك، ولا تكن أقل من أي مسؤول في دولة متحضرة يشعر بالعار من بقائه في منصبه بعد كل هذا الكم الهائل من الفشل والإخفاقات، يكفي استهتارًا وتهاونًا بصحتنا وأرواحنا.

لا أدري كيف سوف يكون لك القدرة غدًا أنت أو أحد مسؤولي وزارتك على استفزازنا بحديث عن إنجازاتٍ أو تطويرٍ وأنتم تدمرون حياة طفلة وأسرتها، وحياة كثير من البشر، استخفافٌ بأرواحنا وسلامتنا، واستخفافٌ بمشاعرنا وعقولنا، نحتاج وزارة صحة تعالجنا من الأسقام التي تسببونها لنا.

Send this to a friend