مدونة عبدالرحمن الكنهل

Search

حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في التأهيل والتوظيف (1-7) مقدمة

  تتزايد الأراء والمواقف التي تدعو إلى تدريب وتأهيل وتوظيف الأشخاص  ذوي الإعاقة على اعتبارأن ذلك من حقوقهم على الدولة والمجتمع، ورفضُ توظيفهم لأسباب تتعلق بالإعاقة يعتبر تمييزًا ضدهم.

إن من حق الشخص ذي الإعاقة العيش بكرامة وبشكل متساوٍ مع الآخرين؛ بما في ذلك الحق في الحصول على التدريب وفق الطرق والوسائل التي تلائم إعاقته، وتؤهله للعمل، وتُسهِم في الحد من حالات الفقر المتزايد بين فئات الأشخاص ذوي الإعاقة، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والاستقرار النفسي والاندماج مع المجتمع.

فالشخص ذا الإعاقة ليس كما قد يبدو في بعض التصورات الذهنية السائدة؛ شخصٌ غير قادر على العمل، فلا يوجد شخصٌ معاقٌ بالكامل، وكلُّ شخص لديه القدرة على العمل والعطاء كلما أتيحت له الفرصة والتقبل والدعم ليكون عضوًا فاعلًا في المجتمع ومساهمًا في التنمية، وليس كما تتخيله بعضُ أنماط التفكير التقليدية حول الشخص ذي الإعاقة بأنه عالة على المجتمع.

استقرت كثير من الأنظمة والقوانين والمبادئ المتعلقة بتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة كونه حقًّا أصيلًا، ويجب أن يرافقه كل ما يلزم من وسائل دعم؛ لأجل قبولهم في مختلف مجالات العمل الملائمة، وأن تتحمل الحكومة والمجتمع -بما في ذلك قطاع الأعمال- المسؤولية تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة بالتأهيل والتدريب والتوظيف على أساس تكافؤ الفرص في الحصول على الوظائف وفرص الترقي؛ بما في ذلك الوظائف القيادية، ويعتبر رفض قبول توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة تمييزًا ضدهم وضد حقوقهم بما في ذلك لأسباب تتعلق بعدم أهلية المباني والمعدات والتجهيزات المكتبية أو التقنية التي تلائم الأشخاص ذوي الإعاقة، أو عدم توفُّر وسائل التدريب الملائمة والتي تأتي بسبب عزوف بعض منشآت الأعمال عن اتخاذ التدابير اللازمة لإزالة الحواجز سواء المادية أو المتعلقة بجوانب المعرفة والمعلومات.

وكما أن الاتفاقيات الدولية أكدت أن رفض التوظيف يعد تمييزًا ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي جانب آخر كثير من الآراء والتوصيات والأنظمة تدفع باتجاه التمييز الإيجابي من خلال وضع حصص من أعداد الموظفين لذوي الإعاقة، وإعادة تكييف بعض الوظائف من حيث نوع مهامها أو ساعات العمل لتُناسِب كلَّ نوعِ إعاقة على حدة.

والأشخاص ذوو الإعاقة يحتاجون إلى رعاية صحية أكثر من غيرهم، وربما إلى رعاية منزلية أو مرافق شخصي لبعض الحالات، وفي ظل عدم توظيفهم تزداد المعاناة بسبب عدم توفر دخل دائم، وتعريضهم للعَوَزِ والحاجة، والبحث عن تبرعات الجمعيات الخيرية، وتزداد المعاناة بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة من النساء سواء محليًّا أو عربيًّا أو دوليًّا كما تشير بعض الدراسات. ومن جهة أخرى فالأشخاص ذوي الإعاقة يمثلون جزء من القدرة الشرائية في العديد من المجتمعات مما يسهم في دعم الاقتصاد عموماً لذا فانعكاسات توظيفهم عدا قدراتهم وإمكانياتهم على العمل والعطاء والانجاز فهم كذلك جزء الاسهام في الاقتصاد.

في موقع وزارة الصحة السعودي وتحت العنوان “أهمية مشاركة المعاقين في التنمية”:

“يواجه المعاقون العديد من التحديات في مجتمعاتهم، حيث لا تزال تلك الفئة مهمشة إلى حد كبير، وغالبًا ما يتعرضون لمشاكل أساسية ومعقدة، منها الفقر والبطالة عن العمل، وعدم القدرة على حل المشكلات الصحية؛ ما يؤدي إلى معدلات أعلى من الوفيات، وعلاوة على ذلك تستبعد هذه الفئة إلى حد كبير من المشاركة في مشاريع التنمية في مجتمعاتهم، سواء المدنية والسياسية”.

وفي نفس الموقع وتحت العنوان: التأهيل الاجتماعي لذوي الإعاقة:

“إعداد الأفراد ذوي الإعاقة للتكيف والتفاعل الإيجابي مع المجتمع ومتطلبات الحياة العامة، من خلال مجموعة من البرامج والأنشطة الاجتماعية، وإيجاد فرص العمل الجيدة التي يحتاجونها كغيرهم تمامًا”.

وتشير كذلك وزارة الصحة إلى تبعات عدم مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في خطط التنمية:

  • حرمانهم من المشاركة يزيد من درجة وحِدَّة الإعاقة.
  • تحويل المعاق إلى عضو مهمش في المجتمع وغير فعال يؤدي إلى تدهور حالته.
  • تهميش المعاق يسبب العدائية أو الانطوائية.
  • يعتبر المعاق هو الشخص الأدرى باحتياجاته، وعدم مشاركته تعوق خطط الوقاية والعلاج من الأمراض المتعلقة بالإعاقة.
  • زيادة مستوى البطالة والفقر”.

وقد أشار التقرير السنوي لمفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 7 December 2012 بخصوص بعض الممارسات السلبية عند توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة إلى ما يلي:

“وعندما يوظف الأشخاص ذوو الإعاقة، يُرجِّح أن يكون ذلك في أعمـال متدنيـة الأجر وفي مستويات مهنية متدنية وفي ظل توقعات ترقية ضعيفة وظروف عمل رديئة. وكثيرًا ما يعملون أكثر من أقرانهم لدوام جزئي أو في وظائف مؤقتة إمكانيات التطور المهني فيهـا قليلة في كثير من الأحيان. وكثيرًا ما تكون للعقبات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في هذا الصدد صلة بالمواقف أو الآراء السلبية، ووصمة العار أو القوالـب النمطيـة الـضاربة الجذور، وقلة اهتمام الحكومات وأرباب العمل وعامة الجمهور. كما أن الافتقار إلى إمكانية الحصول على التعليم والتدريب على المهارات ذات الصلة بسوق العمل من الحواجز الرئيسية وكثيرًا ما ينظَر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة على أنهم غير مناسبين للحياة المهنية، وغير قادرين على إنجاز المهام، على النحو الذي يطلبه سوق العمل المفتوح، أو أنهم يفضلون البيئات المحمية من مثل الأوراش المحمية”.

وذكرت الأمم المتحدة في موقعها:

“المجتمع الشامل والتنمية”

تظهر الأدلة والتجارب أنه عند إزالة العوائق التي تحول دون إدراج وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من المشاركة الكاملة في الحياة المجتمعية، فإن المجتمع يستفيد بأكمله. ولذلك فإن الحواجز التي يواجهها الأشخاص ذوي الإعاقة تضر بالمجتمع ككل، لهذا فتوفير التسهيلات لهم أمر ضروري لتحقيق التقدم والتنمية للجميع.

تقر اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بأن وجود الحواجز هو مكون أساسي للعجز. “وإذ تدرك أن الإعاقة تشكِّل مفهوما لا يزال قيد التطور وأن الإعاقة تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص المصابين بعاهة، والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة فعالة في مجتمعهم على قدم المساواة مع الآخرين،”” 

وذكرت كذلك الأمم المتحدة ما يلي:

“ويزيد خطر تعرّضهم للإصابة بأمراض مزمنة، إذ إن خطر إصابتهم بالربو والاكتئاب والسكري والسمنة وأمراض الفم والسكتة يزيد بمقدار الضعف. ولا يمكن تفسير العديد من الاختلافات في الحصائل الصحية بالاعتلال الصحي الأساسي أو العاهة الأساسية، بل بعوامل يمكن تلافيها وغير منصفة وغير عادلة”.

أحد أسباب تلك الوفيات المبكرة (حسب تصوري الشخصي) حرمان الأشخاص ذوي الإعاقة من التأهيل والتدريب الملائمين وبالتالي فرص الحصول على وظائف لائقة، مع الإشارة ان الى العديد من الأشخاص ذوي الإعاقة لا يحتاجون الى تأهيل او تدريب خاص ويمكنهم من أداء مهامهم بكل يسر وسهولة لولا الأفكار السلبية حول قدراتهم او عدم توفير التيسيرات المعقولة مثل توفير المصاعد ونحوه.

وفي دليـل أصحاب الأعمال لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الصادر من منظمة العمل الدولية جاء ما يلي”

“إن تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ودمجهم الشامل في المجتمع كمدراء وموظفين وموردين ومستهلكين يحقق فوزاً ثلاثيا: فوزاً للشخص ذي الإعاقة وفوزاً لصاحب العمل وفوزاً للمجتمع بشكل عام”

في كل منشأة أعمال لديها عملاء من ذوي الإعاقة الذين قد يحتاجون إلى خدمتهم مثل الأشخاص ذوي الإعاقات السمعية (الصم)، فأفضل ما يستطيع فعل ذلك موظفين وموظفات من الإعاقات السمعية لاسيما عندما يشكلوا شريحة كبيرة من العملاء، والتقنيات ساهمت بشكل كبير في إزالة العديد من العوائق، ولكن يتبقى العوائق التي يضعها صناع ومتخذو القرار.

 ومع هذا لا زالت العديد من المنشآت الوطنية بما فيها منشآت وطنية كبرى تُهمِل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في التوظيف، فلا تُوفِّر حتى الحد الأدنى من تسهيلات الوصول، والتدريب المهني فحرمت هذه الفئة من حق تكافؤ الفرص في الحصول على وظائف وخدمة وطنهم ومجتمعهم، ولهذا أعددتُ هذه السلسلة من المقالات والتي تهدف إلى توعية المجتمع عمومًا والمسؤولين وأصحاب الأعمال خصوصًا بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في التأهيل والتدريب والعمل.

وقدمت الدكتورة ثريا العريض ملاحظة مهمة في هذا المقالة  بخصوص الأشخاص ذوي الإعاقة الحاصلين على وظائف والتي قد تكون متدنية الأجور في الأساس تزداد معانتهم وأسرهم أكثر بعد التقاعد، حيث يعانون من انخفاض كبير في الدخل يزيد معاناتهم، لذا لعل الدولة تستثنيهم وتبقي على نفس مستوى  رواتبهم  قبل التقاعد.

 

guest

2 Comments
Newest
Oldest
Inline Feedbacks
View all comments
Abdulrhman M

بسم الله الرحمن الرحيم

حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في التأهيل والتوظيف (1-7) مقدمة

Send this to a friend